ابن أبي الحديد

183

شرح نهج البلاغة

اللهم يا ذا الملك المتأبد بالخلود والسلطان ، الممتنع بغير جنود ، والعز الباقي على مر الدهور . عز سلطانك عزا لا حد له ولا منتهى لآخره ، واستعلى ملكك علوا سقطت الأشياء دون بلوغ أمده ، ولا يبلغ أدنى ما استأثرت به من ذلك نعوت أقصى نعت الناعتين ، ضلت فيك الصفات ، وتفسخت دونك النعوت ، وحارت في كبريائك لطائف الأوهام . كذلك أنت الله في أوليتك ، وعلى ذلك أنت دائم لا تزول ، وكذلك أنت الله في آخريتك ، وكذلك أنت ثابت لا تحول . وأنا العبد الضعيف عملا ، الجسيم أملا ، خرجت من يدي أسباب الوصلات إلى رحمتك ، وتقطعت عنى عصم الآمال إلا ما أنا معتصم به من عفوك . قل عندي ما أعتد به من طاعتك ، وكثر عندي ما أبوء به من معصيتك ، ولن يفوتك ( 1 ) عفو عن عبدك وإن أساء . فاعف عنى . اللهم قد أشرف على كل خطايا الأعمال علمك ، وانكشف كل مستور عند خبرك ، فلا ينطوي عنك دقائق الأمور ، ولا يعزب عنك خفايا السرائر ( 2 ) ، وقد هربت إليك من صغائر ذنوب موبقة ، وكبائر أعمال مردية ، فلا شفيع يشفع لي إليك ، ولا خفير يؤمنني منك ، ولا حصن يحجبني عنك ، ولا ملاذ ألجأ إليه غيرك . هذا مقام العائذ بك ، ومحل المعترف لك ، فلا يضيقن عنى فضلك ، ولا يقصرن دوني عفوك ، ولا أكون أخيب عبادك التائبين ، ولا أقنط وفودك الآملين ، واغفر لي إنك خير الغافرين . اللهم إنك أمرتني فغفلت ، ونهيتني فركبت ، وهذا مقام من استحيا لنفسه منك ، وسخط عليها ورضى عنك ، وتلقاك بنفس خاشعة ، وعين خاضعة ، وظهر مثقل من الخطايا ، واقفا بين الرغبة إليك والرهبة منك ، وأنت أولى من رجاه ، وأحق من خشيه واتقاه ،

--> ( 1 ) ج : ( يفوتك ) . ( 2 ) ج : ( خفايا لأعمال ) .